إعادة التفكير في المشكلة
في مختلف أنحاء العالم، غالبًا ما تبدأ النقاشات حول أنظمة الرعاية الصحية بقلقٍ ملحّ يتمثل في الإرهاق الوظيفي. ففي العديد من السياقات، يهيمن على المشهد العاملون المُنهكون، وساعات العمل الطويلة، والإجهاد العاطفي. ومن السهل افتراض أن رأس الخيمة تواجه التحدي ذاته.
غير أن المؤشرات الأولية من السياق المحلي تشير إلى رواية مختلفة.
تشير النتائج الأولية لاستطلاع شمل مهنيي الرعاية الصحية في رأس الخيمة، مدعومةً بمناقشات معمّقة مع مديري المستشفيات وكبار القيادات في ثماني مؤسسات صحية من القطاعين العام والخاص، إلى أن الإرهاق لا يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره التحدي الرئيسي. وغالبًا ما تُوصف أعباء العمل بأنها قابلة للإدارة، كما يُظهر العديد من المهنيين مستوى ملحوظًا من القدرة على التكيّف والصمود.
ولا يعني ذلك غياب التحديات، فالرعاية الصحية بطبيعتها مجال يتطلب جهدًا كبيرًا. إلا أن النقاش في رأس الخيمة يتجه نحو مسار مختلف ومهم.
إذا لم يكن الإرهاق هو التحدي الأساسي، فما الذي يشكّل التحدي إذًا؟
تشير الرؤى المستخلصة من قادة الرعاية الصحية في رأس الخيمة إلى مجموعة من التحديات، من أبرزها صعوبة استقطاب الكفاءات السريرية المتخصصة، لا سيما في المجالات الدقيقة مثل تقنيات الجراحة وفنيي غرف العمليات. وحتى عند شغل هذه الوظائف، يظل الاحتفاظ بالكوادر ذات الخبرة تحديًا مستمرًا، في ظل المنافسة القوية من الإمارات الأكبر، وعلى رأسها دبي.
كما تُسهم الضغوط الإدارية في تشكيل بيئة العمل اليومية؛ إذ يُفاد بأن متطلبات التوثيق المرتبطة بإجراءات التأمين، والامتثال التنظيمي، ومعايير الاعتماد، تفرض أعباءً إضافية على الكوادر السريرية والإدارية على حد سواء.
وتتميّز رأس الخيمة بقوى عاملة متعددة الجنسيات والثقافات، وهو ما يحمل في طيّاته مزايا وتحديات في آنٍ واحد. فبينما يُعزّز هذا التنوع من تبادل الخبرات، فإنه قد يطرح تحديات تتعلق بتهيئة الموظفين الجدد ومواءمتهم مع الممارسات السريرية والتنظيمية المحلية، إلى جانب تحديات الاندماج الثقافي.
للوهلة الأولى، تبدو مؤسسات الرعاية الصحية في رأس الخيمة مستقرة، مع توازن نسبي في أوضاع التوظيف. غير أن التعمق في هذه المؤشرات يكشف عن مصدر قلق طويل الأمد. فالتحدي لا يقتصر على رفاه الأفراد، بل يمتد إلى استدامة القوى العاملة.
فمفهوم الاستدامة لا يقتصر على قدرة الموظفين الحالية على التكيّف، بل يشمل قدرة النظام على الاستمرار في استقطاب الكفاءات، ودعمها، والاحتفاظ بها على المدى الطويل.
ترتبط استدامة القوى العاملة ارتباطًا وثيقًا بأداء نظام الرعاية الصحية. فارتفاع معدلات دوران الموظفين يؤدي إلى زيادة تكاليف التوظيف والتأهيل، ويؤثر سلبًا على تماسك فرق العمل، ويُضعف استمرارية تقديم الرعاية. ومع مرور الوقت، تنعكس هذه التحديات على رضا المرضى، وكفاءة العمليات، وسمعة القطاع.
ولمواجهة هذه التحديات، لا بد من التحول من نهجٍ تفاعلي إلى نهجٍ استباقي في وضع السياسات.
ويشمل ذلك زيادة الاستثمار في الأدوات الرقمية على مستوى القطاع، مثل أنظمة السجلات الطبية الإلكترونية المتكاملة، بما يسهم في تقليل ازدواجية التوثيق وتحسين كفاءة سير العمل. كما يمكن لتوسيع استخدام تقنيات الموارد البشرية والأتمتة أن يُسهم في تبسيط العمليات الإدارية وتعزيز إدارة القوى العاملة.
ومع ذلك، تبرز قضية محورية بشكل خاص: الاحتفاظ بالموظفين.
لا يتأثر الاحتفاظ بالكوادر بالمنافسة الخارجية فحسب، بل يتأثر أيضًا بعوامل تنظيمية داخلية. وتلعب ممارسات القيادة دورًا محوريًا في توفير بيئة عمل داعمة ومحفّزة. كما تؤثر ثقافة العمل وفرص التطور المهني بشكل كبير في شعور الموظفين بالتقدير، وفي مستوى دافعيتهم للاستمرار.
فعلى سبيل المثال، يمكن لمسارات التقدم الوظيفي المنظمة، والمدعومة بمعايير ترقية واضحة وشفافة، أن تعزز بشكل كبير من معدلات الاحتفاظ بالموظفين، من خلال توفير وضوح في المسار المهني وآفاق مستقبلية واعدة.
وتؤكد هذه النتائج أن تحقيق استدامة القوى العاملة لا يمكن أن يتم من خلال السياسات وحدها، بل يتطلب مواءمة فعّالة بين المبادرات على مستوى النظام والممارسات على مستوى المؤسسات.
تتمتع رأس الخيمة بموقع فريد؛ فبدلاً من الاستجابة لأزمة إرهاق، كما هو الحال في العديد من أنظمة الرعاية الصحية، تمتلك الإمارة فرصة للتحرك المبكر وبنهج استراتيجي.
والخطوة التالية واضحة: الانتقال من فهم التحديات إلى تنفيذ حلول مستهدفة ومتكيفة مع السياق المحلي، لا سيما تلك التي تعزز الاحتفاظ بالكوادر وتدعم الممارسات التنظيمية المستدامة.
على مستوى النظام، ينبغي على صُنّاع القرار إعطاء الأولوية للتخطيط طويل الأمد للقوى العاملة، مدعومًا ببيانات وتوقعات دقيقة للعرض والطلب في القطاع الصحي. ويشمل ذلك الاستثمار المستمر في التعليم والتدريب، وتطوير الكفاءات، وتعزيز مسارات تنمية الكوادر المحلية.
كما يمكن تعزيز مبادرات تحسين الكفاءة، مثل برنامج «صفر بيروقراطية»، من خلال تكامل أكبر للأنظمة الرقمية، بما في ذلك توحيد معايير السجلات الطبية الإلكترونية، للحد من الأعباء الإدارية وتحسين التنسيق بين المؤسسات.
أما على مستوى المؤسسات، فيؤدي قادة الرعاية الصحية دورًا حاسمًا في تشكيل بيئات عمل داعمة للاحتفاظ بالموظفين. ويتطلب ذلك تعزيز ممارسات القيادة، لا سيما من خلال التدريب المستهدف لرؤساء الأقسام، بما يُحسّن التواصل، ويعزز المساءلة، ويرسّخ ثقافة عمل إيجابية.
وبالتوازي، يُعد تعزيز استقلالية الموظفين وتوفير مسارات واضحة للتقدم الوظيفي عنصرين أساسيين لرفع مستوى الانخراط الوظيفي والحد من معدلات ترك العمل.
ومن خلال إعطاء الأولوية لاستدامة القوى العاملة اليوم، يمكن لرأس الخيمة تعزيز الكفاءة، وتقليل التكاليف على المدى الطويل، وزيادة مرونة قطاع الرعاية الصحية لديها. ويتطلب تحقيق ذلك اتخاذ خطوات استباقية من قبل صُنّاع السياسات وقادة القطاع لضمان استدامة النظام في المستقبل.