آراء و وجهات نظر: الممارسات و السياسات

    mental blog

    الإسعافات الأولية في الصحة النفسية

    الصحة

    علياء سيف الغيص

     

    واحد من كل أربعة أشخاص سيعاني من مرض نفسي أثناء حياته. الصحة النفسية هي مصطلح شامل لمجموعة من المشاكل والاضطرابات النفسية. هذه الاضطرابات ليس لديها علامات مشتركة ظاهرة، ولا يمكن تحديدها بالنظر، وهناك مجموعة واسعة منها. وكما هو الحال مع بقية الأمراض، البعض منها شديد، والبعض الآخر يحتاج إلى بعض الاهتمام والعناية لعلاجه أو التحكم به بشكل صحيح.

    نظراً لدراستي تخصص علم النفس في جامعة بالخارج، لم تكن لدي معرفة كافية حول الوضع الحالي لتوعية وعلاج الصحة النفسية في دولة الإمارات العربية المتحدة لدى عودتي. منذ ذلك الحين، لاحظتُ أن الصحة النفسية هنا لا تحظى بالاهتمام الذي تستحقه، ولا تزال هناك عدة مفاهيم خاطئة حول ماهية علم النفس وما يقوم به بالفعل الاختصاصيون والمعالجون النفسيون والأطباء النفسيون لمساعدة الناس.

    في هذه المنطقة، تعد فكرة معالجة المشاكل النفسية جديدة نسبياً. لا زالت مشاكل الصحة النفسية تحمل وصمة عار وحرج وتمييز، مما يصعّب على الناس طلب المساعدة. بالتأكيد هناك المزيد من الناس في دولة الإمارات العربية المتحدة الذين قد يمكنهم الاستفادة من العلاج، ولكن التصور السلبي للصحة النفسية والاعتقاد بأن أدويتها قد تسبب الإدمان هو الذي يؤثر وبلا شك على كيفية تعامل الناس مع تحدياتهم.

    بدعم من مؤسسة القاسمي، تم اختياري لحضور دورة تدريبية حول الإسعافات الأولية في الصحة النفسية مع Lighthouse Arabia. كانت الدورة التدريبية التي قمتُ بحضورها مخصصة للأشخاص المسؤولين عن دعم الناس الذين يعانون من مشاكل الصحة النفسية.

    تعلمنا خلال الدورة التدريبية بأن علم النفس يتعامل مع العقل البشري والسلوك البشري، على المستوى الفردي والجماعي. يسعى علم النفس إلى فهم سبب وكيفية تصرفنا من أجل تحسين العلاقات الشخصية والرعاية الإنسانية. وعلى هذا النحو، يتضمن ذلك عنصرين مهمين جداً، الأول هو البحث في الطريقة التي يعمل بها العقل، والثاني هو البحث في السبب الذي يجعل الناس يتصرفون بطريقة ما – لإعلام عمل المعالجين والأخصائيين النفسيين والأطباء النفسيين بمحاولة مساعدة الناس على عيش حياة أكثر سعادة وإنتاجية ورضا.

    لا تكمن أهمية علم النفس في دراسة وعلاج مشاكل الصحة النفسية وزيادة الفهم الصحيح للذات والآخرين فحسب، وإنما يمكنه أيضاً أن يساعدنا على بناء آليات جيدة للتعامل مع الإجهاد والصدمات النفسية، بالإضافة إلى المهارات الاجتماعية والعاطفية ومهارات التواصل. والأهم من ذلك أنه يمكنه أن يساعدنا في بناء علاقات فعالة بين الأفراد والجماعات والأمم.

    تعلمنا أيضاً في هذه الدورة التدريبية بأن المشاكل النفسية لها أسباب عديدة. الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في الصحة النفسية البيولوجية لديهم خلل كيميائي في الدماغ، مما يجعله من الصعب عليهم تغيير مزاجهم ومشاعرهم دون مساعدة أو تغيير لنمط الحياة. يمكن للعوامل البيئية أيضاً أن تؤثر على وظائف الدماغ. فعلى سبيل المثال، قد تتأثر الصحة النفسية بالأحداث الصادمة والإجهاد وقلة النوم وغيرها.

    تتيح لنا الدورات التدريبية، مثل دورة الإسعافات الأولية في الصحة النفسية، بأن نكون قادرين على ملاحظة العلامات والأعراض المرتبطة بأمراض واضطرابات الصحة النفسية، كالاكتئاب، وهو أحد أكثر الاضطرابات شيوعاً التي يعاني منها الناس. فعلى سبيل المثال، إذا فقد شخص ما اهتمامه بشيء اعتاد على الاهتمام به بشدة ولديه تغييرات في إنتاجيته في المنزل أو العمل، فإنه ينسحب اجتماعياً وتصبح لديه اضطرابات في النوم والمزاج وعادات تناول الطعام وغيرها. يمكننا حينها التقرب من الشخص ومساعدته في الحصول على العلاج الذي يحتاجه، عوضاً عن تركه يعاني في عزلته.

    من المهم أن يتعرف الناس على أعراض أمراض الصحة النفسية كالاكتئاب، وأن يدركوا بأنه يمكن معالجة تلك الحالات. من الضروري أن يبحث الناس عن المساعدة التي يحتاجون إليها، وأن يزوروا اختصاصياً نفسياً ذو خبرة ليقدم لهم المساعدة. بالإضافة إلى ذلك، يعد الانتحار مشكلة نفسية رئيسية حول العالم، وهناك تداخل فيما يتعلق بزيادة مخاطر الانتحار، والأمراض النفسية، وبالتحديد الاكتئاب وتعاطي المخدرات. من المهم التعبير عن القلق والحب، ومشاركة رسالة الأمل مع الناس، ولكن الأهم من ذلك هو دعم هؤلاء في الحصول على المساعدة المهنية التي يحتاجون إليها.

    من المهم للناس الذين تم تشخيصهم بمرض نفسي، بالإضافة إلى عوائلهم وأصدقائهم، أن يفهموا أنه بإمكانهم الارتياح من أعراضهم من خلال المشاركة النشطة في خطط العلاج الفردي. على سبيل المثال، تشتمل خيارات العلاج الأكثر شيوعاً على العلاج النفسي، وما تسمى أيضاً بالاستشارة النفسية أو العلاج الكلامي وغيرها. عادة ما تساهم وصمة العار المستمرة حول الصحة النفسية في المنطقة على منع الناس من الحصول على المساعدة التي يحتاجون إليها لعيش أفضل حياة ممكنة.مما يجعل المشكلة المؤقتة التي يمكن علاجها تتفاقم إلى مشكلة دائمة لهم ولعوائلهم.

    بالإضافة إلى الدورات التدريبية كدورة الإسعافات الأولية في الصحة النفسية، يحتاج المجتمع الإماراتي إلى منظمة نفسية نشطة مسؤولة عن المجتمع، مما يضمن اتباع نهج علمي ومنهجي لمفهوم علم النفس. يجب على المنظمة رفع مستوى الوعي بقضايا الصحة النفسية لدى أفراد المجتمع، وعقد ورشات عمل وتدريبات للطلبة والوالدين والمعلمين والممارسين العامين وغيرهم، ونشر البحوث حول القضايا المتعلقة بعلم النفس، وتوفير خدمات البحوث في مجال علم النفس للأفراد والمؤسسات العامة.

    في الختام، من المهم أن نعترف بأن اضطرابات الصحة النفسية هي أمراض، وأن نوفر للأفراد الذين يعانون من أمراض نفسية مستوى الفهم والدعم ذاته الذي نقدمه للأفراد المصابين بمرض جسدي. في عصرنا المعولم وسريع التغير، لا يمكننا أن نتجاهل الانضباط الذي يعتبر العمود الفقري للمعرفة الإنسانية والتقدم. حالياً، لا تحصل الصحة النفسية على الاهتمام الذي تستحقه، ولا تزال هناك مفاهيم خاطئة تحول دون الحصول على العلاج، وتتسبب في معاناة لا حصر لها، وتؤثر على قدرة الناس على العيش حياة أكثر سعادة وإنتاجية ورضا.