الحد من هدر الغذاء في رأس الخيمة يتطلب قياسًا أفضل، وليس مجرد التوعية
لا يُعد هدر الغذاء مجرد قضية سلوكية، بل هو مشكلة منهجية ترتبط بعملية اتخاذ القرار. فعلى مستوى العالم، يُهدر أكثر من مليار طن من الغذاء سنويًا، ما يتسبب في ما يصل إلى 10% من انبعاثات غازات الدفيئة، وبتكلفة تقارب تريليون دولار. وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، تُقدَّر الخسائر الناتجة عن هدر الغذاء بنحو 13 مليار درهم، في وقت تستورد فيه الدولة ما يصل إلى 90% من احتياجاتها الغذائية، مما يجعل الحد من الهدر قضية بالغة الأهمية للاستدامة والأمن الغذائي على حد سواء.
وفي رأس الخيمة، يتطلب التصدي لهدر الغذاء نهجًا أكثر استهدافًا وعملية، يبدأ بمشروع تجريبي يجمع تجار التجزئة وشركاءهم في سلسلة الإمداد لتحديد مواضع حدوث الهدر والتعامل مع أهم أسبابه. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل نمو قطاعي السياحة والضيافة في الإمارة. ومع وجود تنظيمات قائمة بالفعل لهدر الغذاء في مجالات مثل عمليات الفنادق، تبرز فرصة واضحة للانتقال من مجرد الامتثال إلى إجراءات أكثر تنظيمًا وشمولًا على مستوى المنظومة، بما يتماشى مع SDG12 من أهداف التنمية المستدامة: الاستهلاك والإنتاج المسؤولان، واستراتيجية رأس الخيمة لكفاءة الطاقة والطاقة المتجددة 2040.
فهم أين يحدث هدر الغذاء
يحدث هدر الغذاء في كل مرحلة من مراحل سلسلة الإمداد، بدءًا من الإنتاج والتخزين، مرورًا بالنقل والبيع بالتجزئة، وصولًا إلى الاستهلاك. ومن دون بيانات مشتركة ووضوح كافٍ، يصعب قياس هذه الخسائر أو تحديد المجالات الأكثر حاجة إلى التدخل. كما تختلف أسباب الهدر عبر مراحل سلسلة الإمداد. ففي المراحل الأولية، ترتبط أوجه القصور أساسًا بضعف التخطيط والتنبؤ. وعلى مستوى التوزيع والبيع بالتجزئة، يُعد الإفراط في التخزين وعدم دقة التنبؤ من أبرز الأسباب. أما في الخدمات اللوجستية، فتؤدي محدودية المراقبة وضعف التحكم في درجات الحرارة إلى زيادة مخاطر تلف الأغذية، ولا سيما في المناخات الحارة مثل رأس الخيمة. وفي مرحلة الاستهلاك، يرتبط الهدر بدرجة كبيرة بممارسات التخزين وسلوكيات الشراء، بما في ذلك ضعف التخطيط والإفراط في الشراء.
من إدارة الهدر إلى الوقاية منه
تختلف طرق التعامل مع هدر الغذاء باختلاف مراحل سلسلة الإمداد. فجزء كبير من الأغذية المهدرة، لا سيما في مرحلة الاستهلاك، ينتهي في مكبات النفايات، بينما تعتمد المراحل السابقة في سلسلة الإمداد وقطاع البيع بالتجزئة بصورة أكبر على إعادة توزيع الفائض من خلال التبرعات أو البيع بأسعار مخفضة. وعلى الرغم من أن هذه الممارسات تسهم في الاستفادة من جزء من فائض الغذاء، فإنها تظل حلولًا تفاعلية تُطبق بعد حدوث الفائض، ولا تعالج الأسباب الجذرية للهدر. ومن هنا تبرز الحاجة إلى نهج أكثر تنظيمًا يستند إلى البيانات ويركز على الوقاية قبل وقوع الهدر.
أولًا، تحسين القياس. في غياب بيانات متسقة تغطي مختلف مراحل سلسلة الإمداد، يصعب تحديد أين يحدث الهدر أو تقييم مدى فاعلية التدخلات المتبعة. لذلك، ينبغي ألا يقتصر القياس على كميات الغذاء المهدرة، بل أن يشمل أيضًا آثارها الاقتصادية والبيئية، بما يدعم اتخاذ قرارات أكثر دقة وفاعلية.
ثانيًا، التركيز على الأسباب الأكثر تأثيرًا. بدلًا من التعامل مع جميع أسباب الهدر بالدرجة نفسها، ينبغي توجيه الجهود نحو العوامل الرئيسة الأكثر تأثيرًا في مختلف مراحل سلسلة الإمداد. ويساعد ذلك على تحقيق أثر أكبر وتجنب تشتت الجهود والموارد.
ثالثًا، تعزيز التنسيق بين الأطراف المعنية. لا يمكن الحد من هدر الغذاء من خلال عمل كل جهة بمعزل عن الأخرى. فالموردون، ومقدمو الخدمات اللوجستية، وتجار التجزئة، والمستهلكون جميعهم جزء من منظومة مترابطة تتطلب تبادل البيانات، والتخطيط المشترك، وتحديدًا أوضح للمسؤوليات. كما يسهم تحسين التنسيق في إعادة توزيع فائض الغذاء بصورة أكثر فاعلية، بما يضمن الاستفادة منه قبل أن يتحول إلى نفايات.
وفي هذا السياق، يمكن للتقنيات الرقمية أن تؤدي دورًا مهمًا في دعم اتخاذ قرارات أكثر دقة وفاعلية، من خلال تحسين القياس، وتحديد الأولويات، وتعزيز التنسيق بين مختلف أطراف سلسلة الإمداد. فعلى سبيل المثال، تساعد المراقبة الفورية لدرجات الحرارة في سلاسل التبريد على رصد مخاطر تلف الأغذية في وقت مبكر، مما يتيح التدخل السريع وتوجيه الجهود نحو المراحل التي تشهد أعلى مستويات الفاقد. ومن خلال الاستخدام الفعّال لهذه التقنيات، يمكن تحسين التنبؤ بالطلب، وتعزيز التنسيق بين الأطراف المعنية، والتحول من معالجة هدر الغذاء بعد حدوثه إلى نهج استباقي يركز على الحد منه والوقاية منه قبل وقوعه.
البدء بمشروع تجريبي في رأس الخيمة
في رأس الخيمة، يمكن أن تبدأ الجهود بمشروع تجريبي محدد النطاق قبل التوسع في تطبيق الحلول على مستوى المنظومة بأكملها. ويمكن أن تكون البداية من خلال التعاون مع أحد كبار تجار التجزئة وشركائه الرئيسيين في سلسلة الإمداد، بما في ذلك الموردون ومقدمو الخدمات اللوجستية ومقدمو خدمات التوصيل إلى المستهلك، لاختبار نهج منظم وعملي للحد من هدر الغذاء. ويعتمد المشروع على إطار موحد للقياس يساعد في تحديد مواقع الهدر وأسبابه، وتوجيه التدخلات نحو الأولويات الأكثر تأثيرًا، مثل تحسين التنبؤ بالطلب، والحد من فائض المخزون، وتعزيز مراقبة سلسلة التبريد. كما يمكن البناء على الممارسات القائمة في قطاعات مثل الضيافة، حيث يُلزم بفصل نفايات الطعام، وتطويرها من إجراءات قائمة على الامتثال إلى عملية اتخاذ قرار تستند إلى البيانات عبر سلسلة الإمداد.
ولتعزيز التنسيق بين الأطراف المعنية، يمكن للمشروع التجريبي أن يتيح تبادل البيانات بين الشركاء، إلى جانب اختبار آليات فعّالة للاستفادة من فائض الغذاء وإعادة توزيعه قبل أن يتحول إلى نفايات. كما يمكن توظيف أدوات تقنية بسيطة، مثل أنظمة مراقبة درجات الحرارة وأدوات تخطيط الطلب، للمساعدة في اتخاذ قرارات أكثر دقة وفي الوقت المناسب. ويتيح هذا النهج اختبار الحلول وتقييم مدى فاعليتها في رأس الخيمة، والاستفادة من النتائج لتحديد الممارسات الأكثر نجاحًا قبل توسيع نطاق تطبيقها لتشمل منظومة الغذاء في الإمارة.
ما الخطوة التالية؟
للانتقال من مرحلة التوعية إلى تحقيق أثر ملموس، ينبغي أن تتركز الجهود على ثلاث أولويات رئيسية: تحسين القياس، والتركيز على العوامل الأكثر تأثيرًا، وتعزيز التنسيق بين مختلف أطراف المنظومة. فالقياس الدقيق والمتسق يساعد على تحديد مواقع الهدر وحجمه وآثاره، ويوفر أساسًا لاتخاذ قرارات أكثر فاعلية. كما أن معالجة الأسباب الرئيسة، مثل ضعف التنبؤ بالطلب، وفائض المخزون، والقصور في أداء سلسلة التبريد، يمكن أن تسهم في الحد من الهدر قبل حدوثه. وفي الوقت نفسه، يسهم تبادل البيانات والتخطيط المشترك في تعزيز التنسيق بين الموردين ومقدمي الخدمات اللوجستية وتجار التجزئة. وتمثل هذه الأولويات مجتمعة نقطة انطلاق عملية تمكّن رأس الخيمة من اختبار الحلول، وتقييم نتائجها، ثم توسيع نطاق الحلول التي تثبت فاعليتها.
