المدونات والبودكاست

pattern@2x

الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية: تقييم جاهزية رأس الخيمة

وضعت دولة الإمارات العربية المتحدة، من خلال الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، رؤية طموحة تهدف إلى أن تصبح الدولة رائدة عالميًا في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2031. وفي إطار هذه الرؤية، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة قوية لتعزيز خدمات الرعاية الصحية من خلال تحسين تشخيص الأمراض وعلاجها والوقاية منها. غير أن تحقيق هذه الطموحات يتطلب استعدادًا دقيقًا، إذ يشكّل هذا الاستعداد الأساس لتحقيق تقدم فعّال ومستدام. ومن هنا يبرز سؤال مهم: إلى أي مدى يُعد قطاع الرعاية الصحية في رأس الخيمة جاهزًا للاستفادة من الذكاء الاصطناعي بشكل فعّال وآمن وأخلاقي؟ وكيف يمكن تعريف هذه الجاهزية؟

لا يعني ذلك أن على رأس الخيمة الانتظار حتى تكتمل جاهزيتها بالكامل قبل تبني الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية. فكما يُقال، الجاهزية ليست نقطة وصول بل رحلة مستمرة. ومع ذلك، فإن إدخال الذكاء الاصطناعي مع فهم واضح للسياق المحلي يزيد بشكل كبير من فرص تحقيق أثر حقيقي ومستدام. وفي هذا السياق، أقوم بإجراء تقييم لمدى جاهزية قطاع الرعاية الصحية في رأس الخيمة لتبني الذكاء الاصطناعي.

تتمتع نتائج هذه الدراسة بإمكانات كبيرة للمساهمة في توجيه السياسات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في قطاع الرعاية الصحية في الإمارة. ولتوجيه هذا التقييم، قمت بتكييف أداة تقييم الجاهزية التي طورتها منظمة الصحة للبلدان الأمريكية (PAHO) ومنظمة الصحة العالمية (WHO). توفر هذه الأداة إطارًا منهجيًا لتقييم مدى استعداد الدول لتنفيذ مبادرات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، وتحدد عددًا من المجالات الأساسية التي ينبغي تقييمها، وهي:

    • الحوكمة والقيادة
    • البنية التحتية والتكنولوجيا
    • القوى العاملة والخبرات
    • إدارة البيانات وجودتها
    • التمويل والاستدامة
    • مشاركة الجمهور وأصحاب المصلحة
    • التنفيذ والتكامل
    • المتابعة والتقييم

 

امتدت عملية جمع البيانات من ممرات المستشفيات إلى قاعات الاجتماعات التنفيذية، حيث تفاعلت مع العاملين في القطاع الصحي وقادة المؤسسات الذين يُعدّون من أبرز أصحاب المصلحة في قطاع الصحة في رأس الخيمة. كما تحدثت مع أفراد من عامة المجتمع، الذين يُعتبرون بلا شك أهم أصحاب المصلحة على الإطلاق. وقد عبّر العديد من المشاركين عن تفاؤل حذر، مشيرين إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحسن الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية، ولكن بشرط ألا يحل محل العنصر البشري في تقديم الرعاية. وتشير النتائج الأولية إلى أن الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي قد بدأ بالظهور في عدة قطاعات في رأس الخيمة، وإن كان ذلك لا يزال في مراحل تجريبية أو استكشافية أو أولية.

كما تتوافر أدلة موثقة على وجود مبادرات مستمرة للتدريب وبناء القدرات في مجال الذكاء الاصطناعي داخل الإمارة. ومن بين هذه المبادرات برنامج الممارس المعتمد في الذكاء الاصطناعي، الذي يهدف إلى تزويد الباحثين عن عمل من المواطنين والخريجين الجدد بمهارات في الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي وتحليل البيانات.

وتُعد هذه الجهود مؤشرات إيجابية على مستوى الجاهزية لتطبيق الذكاء الاصطناعي في قطاع الرعاية الصحية، إذ تسهم في تعزيز وعي المجتمع بالتقنيات الناشئة. كما يُعد وجود مركز للتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي في الجامعة الأمريكية في رأس الخيمة عاملًا داعمًا مهمًا، حيث يمكن للقطاع الصحي الاستفادة منه كمرجعية أساسية في مسيرته نحو تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي.

فإلى أي مدى تُعد رأس الخيمة جاهزة لتطبيق الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بشكل فعّال؟ في هذه المرحلة، لا تزال الصورة الكاملة في طور التشكّل. فعملية جمع البيانات مستمرة، وكما هو الحال في أي تقييم صحي، من الأفضل مراجعة جميع النتائج قبل تقديم تشخيص أو توصيات نهائية. ومع ذلك، فإن الجاهزية لا تُقاس دائمًا بالبنية التحتية أو التكنولوجيا وحدها، بل تتجلى في كثير من الأحيان من خلال النقاشات الواعية والتخطيط الاستراتيجي لكيفية دمج الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية. بل إن هذه النقاشات قد تكون مؤشرًا أقوى على الجاهزية مقارنةً بمجرد اقتناء أنظمة الذكاء الاصطناعي بدافع الحماس أو الخوف من فوات الفرصة.

 



محتوى ذو صلة