رقمنة التراث الأثري: دور الطباعة ثلاثية الأبعاد في حفظ النقوش الصخرية في رأس الخيمة
تكشف النقوش الصخرية التي عُثر عليها خلال المسوحات الأثرية في وادي دفتا بإمارة رأس الخيمة عن جوانب مهمة من حياة المجتمعات التي استوطنت المنطقة في العصور الماضية. وقد نُقشت هذه الرسوم على أسطح الصخور، مصوّرةً أشكالًا بشرية ومشاهد تعكس تفاعل الإنسان مع البيئة المحيطة.
أُنتج النموذج الواقعي المطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، والمبيّن هنا، بالاعتماد على مسح ضوئي لإحدى الكتل الصخرية الأصلية المحفوظة ضمن مقتنيات دائرة الآثار والمتاحف في رأس الخيمة. ويظهر على النموذج رسم تخطيطي لهيئة بشرية تبدو في حالة حركة، رافعةً ذراعيها، وربما تحمل خنجرًا في يدها اليمنى.
وقد عُثر على الصخرة الأصلية على إحدى المصاطب المرتفعة فوق قاع الوادي، إلى الشمال الشرقي من قرية دفتا الحديثة، وهي محفوظة ضمن مقتنيات متحف رأس الخيمة منذ أكثر من عشرين عامًا.

تُظهر الصورة أعلاه أحد التطبيقات العديدة للمسح الرقمي عالي الدقة، والمتمثل في إنشاء نسخ مطبوعة ثلاثية الأبعاد من القطع الأثرية. وتوفر هذه التقنية نهجًا مبتكرًا للحفاظ على التراث الثقافي، إذ تتيح للباحثين توثيق النقوش الصخرية وحفظها، بما في ذلك تلك الموجودة في دولة الإمارات العربية المتحدة.
ويهدف مشروعي إلى توثيق هذه النقوش وإعادة إنتاجها على هيئة توائم رقمية ونماذج مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد. ومن خلال الجمع بين المسح الضوئي والطباعة ثلاثية الأبعاد، يسهم هذا النهج في حفظ النقوش الصخرية وتوثيقها، سواء في مواقعها الأصلية أو ضمن المجموعات المتحفية، كما يتيح إنتاج نسخ دقيقة منها وإتاحتها لجمهور أوسع.
وبالتعاون مع زملائي في جامعة نيويورك أبوظبي، عملت على تكييف هذه التقنية بما يتيح الحفاظ على الرسوم والنقوش الموجودة على الصخور. ومن خلال هذا العمل، طوّرنا ثلاثة بروتوكولات للحفاظ على التراث، تُستخدم في توثيق المواد الأثرية وحمايتها.
الترميم والإصلاح والبحث
يمكن استخدام ملفات النماذج الرقمية ثلاثية الأبعاد، المعروفة باسم ملفات OBJ، لإنشاء نسخ دقيقة تحاكي القطع الأصلية، سواء لأغراض البحث العلمي أو لإنتاج نماذج عالية الجودة للعرض في المتاحف والمعارض.
وبفضل الدقة العالية لهذه النماذج ثلاثية الأبعاد، التي تمثّل توائم رقمية للقطع الأصلية، يمكن للمتخصصين في الحفظ والترميم استخدامها لرصد ما قد يطرأ على القطع من تآكل أو تلف وتقييم حالتها، إلى جانب التخطيط لأعمال الصيانة اللازمة وتنفيذها، والاحتفاظ بسجلات تفصيلية تدعم أعمال الترميم المستقبلية.
وقبل نقل أي قطعة أثرية، سواء من موقعها الميداني إلى المخزن أو من مكان إلى آخر داخل المتحف أو في أي موقع أثري آخر، يُنصح بإنشاء نموذج رقمي لها بصيغة OBJ باستخدام تقنية المسح الرقمي. وفي حال تعرض القطعة للتلف أثناء نقلها أو تغيير موقعها، يمكن الاستعانة بهذا النموذج الرقمي لإعادة إنتاج توأم رقمي دقيق لها عند الحاجة.
دعم التعليم باستخدام النماذج ثلاثية الأبعاد
قد يتعذر على علماء الآثار، والمتخصصين في دراسة النقوش، ومؤرخي الفن والتاريخ السفر إلى مواقع التنقيب، كما أن الصور عالية الدقة، على أهميتها، قد لا تكون كافية لدراسة القطع الأثرية بصورة متكاملة.
وتوفر التوائم الرقمية ثلاثية الأبعاد نماذج دقيقة يمكن حملها وفحصها عن قرب، مما يتيح للباحثين دراسة النقوش والكتابات بتفاصيلها دون الحاجة إلى التعامل المباشر مع القطع الأصلية الهشة. وفي المستقبل، سيتمكن طلبة الجامعات من دراسة القطع الأثرية التي تهمهم من خلال تنزيل ملفات OBJ وإنتاج نماذج ثلاثية الأبعاد خاصة بهم.
بناء متاحف افتراضية للمستقبل
لا تقتصر فوائد ملفات OBJ على مجالي البحث والتعليم، بل تمتد لتشمل إنشاء أرشيفات رقمية تسهم في توثيق التراث الأثري في رأس الخيمة وحفظه.
ومن خلال عمليات إعادة البناء الهندسي باستخدام تقنيات التصميم بمساعدة الحاسوب (CAD)، يتيح المشروع إنشاء نسخ رقمية تفصيلية للنقوش الصخرية التي يتم مسحها ميدانيًا، بما يحفظ شكل كل قطعة وملمسها وأبعادها الدقيقة.
كما يمكن دمج هذه النماذج الرقمية في تجارب تفاعلية بتقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز، بما يتيح للجمهور فرصًا أوسع لاستكشاف التراث الثقافي لإمارة رأس الخيمة والتعرف إليه.

عملية مسح ميداني في قرية تعود إلى فترة جلفار في جبال رأس الخيمة.

نقوش صخرية محفورة على الجدران الخارجية لمنازل في قرية تعود إلى فترة جلفار في جبال رأس الخيمة
