آراء و وجهات نظر: الممارسات و السياسات

    aflaj blog

    كيفية حماية بساتين النخيل؟ تحديد وحماية مصادر المياه ووسائل الري التقليدية

    وليام رينولدز

    كانت الظلال داخل بساتين النخيل كثيفة جداً، والرطوبة عالية لدرجة يمكن فيها مشاهدة طبقة من الضباب تغمر الخضراوات المزروعة عند جذوع الاشجار، وترتفع لتصل إلى سعفات اشجار النخيل الشامخة. المنظر كان مذهل للغاية، بحيث يشعر المشاهد بالسكينة والفرح. بساتين النخيل هذه كانت تقي النباتات المزروعة تحت ضلها من اشعة الشمس الحارقة، كما حافظت على رطوبة الحصى الموجودة في قاع الوادي. بساتين النخيل المفعمة بالحياة في يوم من الأيام، كانت رمز للحياة: هذه الأراضي الزراعية تميزت بمياهها الجارية ونباتاتها المثمرة وكثرة الزهور بانتظار التلقيح.

    اصطحبني السيد علي محمد أمضاني لأخذ رحلة معه سيراً على الأقدام، مشينا على ممر ترابي، وقفزنا فوق قناة مائية مرتفعة تنبض بالمياه الجارية التي كانت تجري تحت جسر بديع يجري بجانب نهر آخر ينبض بالحياة. النظام كان اشبه بنظام طريق سريع مصغر ذات تفرعات عديدة، الذي تم تصميمه بطريقة تسمح لكل قناة مائية بري الأراضي الزراعية المجاورة. كما تم تصميم بوابات من الحجر أو القماش او المعدن على طول المسارات المائية من أجل إبقاء المياه في المسارات المطلوبة. كانت أحدى البوابات مفتوحة، واستمتعنا بمشاهدة المياه تجري نحو أرض زراعية تم حرثها وزراعتها مؤخراً لتروي البذور الجديدة داخل التربة. كانت رسالة أمضاني واضحة للغاية: السماح لي بمشاهدة نظم الري التقليدية، او ما يطلق عليها تسمية الأفلاج، وبساتين النخيل التي تعتمد على هذه النظم، وكيف تزدهر في منطقة مدحة، المنطقة الصغيرة بسلطنة عمان التي تحيطها إمارة الفجيرة بشكل كامل.

    بعد قضاء شهر كامل في إمارة رأس الخيمة لتوثيق بساتين النخيل ونظم الأفلاج القديمة، بدأت أشعر بالقلق. فالعديد من البساتين التي زرتها كانت تحتضر، ومعظم نظم الأفلاج التاريخية التي قمت بتوثيقها كانت تعاني من مشكلة الجفاف. في الكثير من الأحيان، كانت الدلائل الوحيدة على وجود بساتين سابقة في المنطقة هو اكتشاف جذوع اشجار النخيل التي جرفتها الرمال والرياح، واكتشاف بقايا قنوات ري مدفونة تحت سطح الأرض اثناء انعكاس اشعة الشمس عليها خلال فترة الفجر. أما الحال في المدحة، فالوضع مختلف، هنا ظلت نظم الافلاج التقليدية نابضة بالحياة ومفعمة بالمياه وأشجار النخيل مزدهرة.

    الأمضاني هو مهندس هيدروليكي، وكان يعمل في السابق بوزارة البلديات الإقليمية وموارد المياه في سلطنة عمان، حيث تمكن من تحقيق العديد من النجاحات في مجال الإشراف المجتمعي. وقد كانت القوانين التي تحكم "الثروة الوطنية" – المياه – جزءا من ممارسات إدارة المياه المجتمعية التي تم دمجها فيما بعد ضمن القانون العماني، عندما تم وضع نظم الأفلاج تحت وصاية وزارة البلديات الاقليمية وموارد المياه في سلطنة عمان. "ضمن دائرة نصف قطرها من 1 – 3 كيلومترات من منبع الأفلاج، تم إنشاء منطقة حمراء تمنع أي شخص من حفر آبار جديدة التي من شأنها أعاقة تدفق المياه الذي يعتمد عليها المجتمع بأسره".

    أوضح الأمضاني أنه في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، شنت حكومة سلطنة عمان حملة لتوثيق نظم الأفلاج من أجل حفظها في جميع انحاء البلاد، مما نجم عنه إدراج هذه المواقع ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو ومشاريع التنمية المجتمعية المستمرة في المناطق الريفية. "كل مكتب محلي تابع لوزارة البلديات الاقليمية وموارد المياه في سلطنة عمان لديه برامج توعية، تهدف جزئيا إلى تعزيز شعور التواصل بين افراد المجتمع ونظم الأفلاج. ويشمل ذلك الأمهات والأطفال وجميع جوانب المجتمع". تنفيذاً لذلك، يتم تخصيص زيارات ميدانية سنوية للأطفال في مدينة مدحة لزيارات بساتين النخيل الموجودة وسط مجتمعهم. ويؤكد الأمضاني، أنه من خلال الزيارات المتكررة للأطفال لنظم الأفلاج وبساتين النخيل بسن مبكر، وبفضل الدعم المتواصل من قبل وزارة البلديات الاقليمية وموارد المياه في سلطنة عمان، يشعر السكان بالتفاؤل لأنه يمكن تفادي المصير الذي تعرضت إليه الكثير من الأفلاج في دولة الامارات العربية المتحدة المحيطة، حث أدى الاستغلال المفرط لموارد المياه الجوفية إلى تدهور النظام بأكمله: مصدر المياه، البنية التحتية لري الأفلاج وبساتين النخيل المحيطة.

    مؤخرا، في إمارة رأس الخيمة، قامت وزارة الزراعة ببذل جهود كبيرة من أجل إصلاح نظم الأفلاج، وهنا لابد الإشارة إلى الجهود المتميزة التي تستحق الثناء التي بذلت من أجل إصلاح الأفلاج في رفق وحويلات. لقد تم أعادة تدفق المياه داخل القنوات المائية، غير أنها لا تزال لا تتدفق بالكميات التي كانت عليها في السابق، مما يشير إلى أن منسوب المياه قد يكون انخفض بسبب الجفاف وضخ الآبار من قبل الجهات الخاصة. كما أن الجهود الرامية لاستعادة هاتين القناتين قد تكون جاءت متأخرة. إن أفضل طريقة لإنقاذ ما تبقى من بساتين النخيل، بالإضافة إلى المساهمة في تعزيز التنمية الاقتصادية والسياحية المحلية في إمارة رأس الخيمة، هو من خلال الشروع في القيام بجرد كامل للنظم وتعزيز الحماية والمشاركة المجتمعية، بصورة مماثلة لما قامت فيه سلطنة عمان منذ أكثر من عشرين عاماً مضى.

    تعتبر العديد من نظم ري الأفلاج في جميع أنحاء إمارة رأس الخيمة ودولة الإمارات العربية المتحدة عموماً، شهادة على البراعة البشرية والتمييز. ينبغي أن يكون الابتكار والإبداع المتميز الذي بذل لإنشاء هذه النظم وصيانتها من قبل الأجيال السابقة، مصدر فخر والهام للجيل الحالي وجيل المستقبل.

     

    لمعرفة المزيد عن نظم الأفلاج في إمارة رأس الخيمة، الرجاء الاطلاع على ورقة السياسة الخاصة بمؤسسة القاسمي بعنوان: محطات الأفلاج المائية في رأس الخيمة: الظروف الحالية والآفاق المستقبلية لحفظ المياه، من إعداد الباحث الزائر وليام رينولدز.

    وليام رينولدز هو استاذ مساعد في مجال الحفظ التاريخي في كلية الدراسات العليا في الهندسة والتخطيط والحفظ بجامعة كولومبيا، حيث تركز أعماله على توثيق المواقع التراثية وتحديد المشاكل التي تعيق عملية التوثيق، والتخطيط، وحماية الموارد الطبيعية والثقافية.