أيُّ تراثٍ نُقدّر؟ أشجار القرم والذاكرة والمعرفة المجتمعية في الرمس
غالبًا ما يُنظر إلى التراث بوصفه شيئًا محفوظًا وموثقًا رسميًا، يسهل التعرّف إليه؛ كحصنٍ قديم يخضع للترميم، أو بقايا موقع أثري، أو مبنى يحمل صفة الحماية الرسمية. غير أن تاريخ الأماكن لا يتجسّد دائمًا في معالم مادية واضحة، بل قد يبقى حاضرًا في تفاصيل أقل ظهورًا: في ملامح الساحل، وبين أشجار القرم، وفي المسارات التي اعتاد الناس سلوكها، وفي الذاكرة المشتركة التي تمنح بعض المناظر الطبيعية قيمتها ومعناها، حتى وإن لم يتبقَّ من ماضيها العمراني سوى القليل.
وتُعدّ الرمس، الواقعة في شمال رأس الخيمة، نموذجًا واضحًا لهذه الأماكن. فقد ارتبط تاريخها منذ زمن بعيد بالحياة الساحلية وباعتماد سكانها على الأراضي الرطبة المحيطة، في علاقة وثيقة بين الإنسان والمكان امتدت عبر أجيال. وتؤكد الدراسات البيئية الحديثة أهمية النظم البيئية الساحلية في شمال رأس الخيمة (Raihan, Ali and Mortula, 2024; Pandi Selvam et al., 2025). غير أن قيمة هذه المناظر الطبيعية لا تقتصر على أهميتها البيئية؛ فهي تحمل أيضًا شواهد على استمرارية الحياة والذاكرة المجتمعية، وهي جوانب قد لا تعكسها دائمًا قوائم التراث الرسمية. ومن هنا يبرز سؤال مهم: كيف نفهم التراث حين لا يقتصر حضور الماضي على ما تبقى من معالم مادية، بل يمتد ليشمل الألفة بالمكان، والممارسات اليومية المتوارثة، والآثار التي تركتها حياة الناس فيه عبر الزمن؟
ما وراء ما يمكننا رؤيته
غالبًا ما تُفهم أشجار القرم باعتبارها أصولًا بيئية ذات قيمة لدورها في دعم التنوع البيولوجي وحماية السواحل. ولكن إلى جانب أهميتها البيئية، يمكن أن تحمل أيضًا دلالات ثقافية أقل وضوحًا. وتُبرز الأبحاث التي أُجريت بالتعاون مع مجتمع الرمس كيف تُعاش هذه المناطق بوصفها مناظر طبيعية حية، شكّلتها الممارسات اليومية والألفة والتفاعل طويل الأمد.
وربط المشاركون في المشروع أشجار القرم بروتين الصيد، وإيقاعات المد والجزر، والأغاني التي كانت تُغنّى على امتداد الساحل. وتُظهر رواياتهم كيف تنتقل المعرفة بـ«القُرم» من خلال الممارسات الثقافية، إلى جانب الملاحظة المباشرة.
«الأغاني تأتي من أشجار القرم نفسها، القُرم.»
– أحد المشاركين من المجتمع
هنا، لا ينفصل التراث عن المشهد الطبيعي، بل يتجسد في الطريقة التي يستخدم بها الناس المكان ويفهمونه في حياتهم اليومية. فهو يظهر في معرفة أين يمشون، وكيف تتغير حركة المد والجزر، وكيف تتبدل أنماط الصيد، وما العلامات البيئية التي تهم من يعرفون المنطقة جيدًا. وهذه المعارف الحية المرتبطة بأشجار القرم لا يسهل دائمًا استيعابها ضمن المقاربات الرسمية للتراث، التي تركز غالبًا على ما يمكن تحديده ماديًا أو تسجيله أو الحفاظ عليه.
الاعتراف بالمعرفة المجتمعية
عندما يُحفظ التراث في ذاكرة الناس وممارساتهم اليومية، لا في المعالم والأشياء المادية وحدها، يصبح الاستماع إلى من يعرفون المكان ويعيشون تفاصيله أمرًا أساسيًا لفهم قيمته. وفي الرمس، لا تمنح المعرفة المجتمعية أشجار القرم بُعدًا ثقافيًا إلى جانب أهميتها البيئية فحسب، بل تكشف أيضًا عن أسباب المكانة التي تحتلها هذه المساحات الساحلية في ذاكرة المجتمع. فذكريات مسارات الصيد، والمعارف المتوارثة حول القُرم، والتقاليد الشفوية المرتبطة بالساحل، كلها تشكّل جزءًا من التاريخ الحي للمكان.
ومن هنا، فإن التركيز في توثيق التراث على ما يمكن رؤيته أو تسجيله ماديًا قد يؤدي إلى إغفال جوانب أساسية من معنى المكان. فمن الممكن رسم خرائط لمناطق القرم وتوثيق خصائصها البيئية، لكن التجارب الإنسانية والذكريات التي تمنحها عمقها الثقافي يصعب اختزالها في الخرائط والسجلات. ونتيجة لذلك، قد يقدم التوثيق صورة دقيقة لما هو موجود على أرض الواقع، من دون أن يعكس بصورة كاملة ما يحمله المكان من معارف وذكريات وتجارب متوارثة.
لذلك، تمثّل شهادات أفراد المجتمع مصدرًا مهمًا للمؤسسات الثقافية وصنّاع السياسات العاملين في مجالي التراث والحفاظ على البيئة. ويمكن للتاريخ الشفوي، والتوثيق التشاركي، والتواصل المستمر مع السكان أن تسهم في تقديم صورة أكثر شمولًا للتراث؛ صورة لا تقتصر على ملامح المكان المادية، بل تشمل أيضًا ذاكرة الناس وعلاقتهم به، وما تراكم حوله من معرفة وممارسات عبر الأجيال.
أشجار القرم والذاكرة نحو مستقبل مستدام في الإمارات
وتحمل هذه الرؤى المحلية أيضًا أهمية أوسع على مستوى السياسات، في ظل الاهتمام المتزايد بالاستدامة البيئية في دولة الإمارات. فقد أصبحت استعادة أشجار القرم محورًا لعدد من المبادرات الوطنية المتعلقة بالمناخ، بما في ذلك التزام دولة الإمارات بزراعة 100 مليون شجرة قرم بحلول عام 2030 ضمن استراتيجيتها للحياد المناخي 2050. غير أن حماية أشجار القرم لا تتعلق بوظيفتها البيئية فقط؛ إذ تُظهر التجارب التي شاركها سكان الرمس أن هذه النظم البيئية يمكن أن تحمل أيضًا معاني اجتماعية وثقافية تشكلت من خلال علاقات مجتمعية ممتدة عبر الزمن.
ويتجلى هذا الارتباط بين حماية البيئة والمعنى الثقافي بوضوح في روايات المشاركين. فقد شبّه أحدهم أشجار القرم بالطفل؛ شيء يحتاج إلى الرعاية والحماية أثناء نموه. ويُظهر هذا التشبيه كيف لا يُنظر إلى احتمال الضرر المرتبط بتغير المناخ باعتباره مصدر قلق بيئي فحسب، بل أيضًا بوصفه خسارة شخصية وثقافية.
«أشجار القرم مثل الطفل. ترعاها وتريد أن تراها تنمو. سأشعر بحزن شديد إذا أثّر تغير المناخ في أشجار القرم.»
– أحد المشاركين من المجتمع
إن الاعتراف بأشجار القرم بوصفها مناظر طبيعية ثقافية، إلى جانب كونها موارد طبيعية، يتيح نهجًا أكثر شمولًا للحفاظ عليها. فهو ينقل ممارسة التراث من مجرد توثيق ما هو موجود ماديًا إلى فهم كيفية تقدير الأماكن وتذكرها والعناية بها من قبل المجتمعات المحيطة بها. وفي الرمس، تمثل أشجار القرم أكثر من مجرد جزء من الساحل؛ فهي جزء من الذاكرة التاريخية للمجتمع. ومن ثم، فإن حمايتها تعني الحفاظ على نظام بيئي طبيعي وإرث ثقافي حي في آن واحد.

المراجع
Pandi Selvam, P., Mohan, M., Dutta Roy, A., Ali, T., Watt, M.S. and Samara, F. (2025) ‘Advancing oyster habitat mapping: Integrating satellite remote sensing to assess coastal development impacts in northern United Arab Emirates’, Marine Pollution Bulletin, 215, 117861. https://doi.org/10.1016/j.marpolbul.2025.117861
Raihan, A., Ali, T. and Mortula, M. (2024) ‘Unveiling coastal ecosystem dependencies: multifactorial analysis of climate change influencing mangrove system in the United Arab Emirates over the period 1990–2020’, Discover Sustainability, 5, 498. https://doi.org/10.1007/s43621-024-00620-9
