المدونات والبودكاست

pattern@2x

رؤية الإمكانات: ماذا يحدث عندما تفتح المدرسة أبوابها للجميع؟


arabic 1 قبل أن تصعد شفنا باروثيبارا صديق إلى المنصة لتستلّم درعها في جائزة رأس الخيمة للتميز التعليمي، غنت أغنية «شكراً لله»، التي تعبّر عن الامتنان لله.، وبعد ذلك، خلال حديثنا معها سألناها عمّا تشعر بأكبر قدر من الامتنان تجاهه؟.

"أكثر ما أشكر الله عليه هو القدرات التي وهبني إياها"

كانت إجابة بسيطة، لكنها تعكس بوضوح نظرة شيفنا للعالم؛ فهي لا تستغرق في التفكير بالتحديات التي واجهتها، بل تركز على ما تستطيع إنجازه والفرص التي أتيحت لها
.

واليوم، تُكرَّم شيفنا ضمن فئة "الطالب المتميز من أصحاب الهمم" في جائزة رأس الخيمة للتميز التعليمي، وعندما تسترجع مسيرتها، تسارع إلى توجيه الحديث نحو الأشخاص الذين ساهموا في تحقيق هذا الإنجاز، حيث تقول: "يساعدني المعلمون من خلال تقديم حصص إضافية وتوفير دعم فردي لي. كما يدعمني أصدقائي أثناء مشاركتي في الأنشطة، ويشجعني والداي قائلين: ’يمكنكِ تحقيق ذلك، يمكنكِ الدراسة بتميز‘".

المدرسة التي قالت «نعم» 

عندما انتقلت أسرة شفنا من ولاية كيرالا الهندية إلى رأس الخيمة قبل أربع سنوات، كان العثور على مدرسة أصعب بكثير مما توقعته، إذ كانت المدارس ترفض استقبالها الواحدة تلو الأخرى، لعدم معرفتها بكيفية تقديم الدعم لطالبة تعاني من ضعف في البصر.

ثم وصلت الأسرة إلى المدرسة الإنجليزية المثالية، ولا تزال مديرة المدرسة، الدكتورة براسانا باسكار، تتذكر اللقاء الأول، فتقول: "أخبرتني شيفنا أن مدارس أخرى رفضت قبولها بسبب إعاقتها البصرية، و حين سمعت ذلك، شعرت بدافع قوي لإيجاد حل".


في ذلك الوقت، كان قسم الدمج في المدرسة صغيراً، وكانت خبرته في دعم الطلاب ذوي الإعاقة البصرية محدودة، لكن الدكتورة باسكار جمعت فريق عملها لمناقشة المتطلبات اللازمة لدعم شيفنا، فجاء الرد بالإجماع: " نحن مستعدون للمساعدة، ومستعدون لتقديم الدعم لها ".

وهكذا، فُتح أمام شيفنا وعائلتها بابٌ كان قد أُغلق في وجههم في أماكن أخرى.

ساهمت رحلتها أيضاً في تعزيز التزام المدرسة بالتعيم الدامج ، واليوم، تدعم المدرسة عدداً متزايداً من الطلاب ذوي الهمم، مستفيدةً من الخبرات والدروس التي اكتسبتها في تهيئة بيئة تعليمية تتيح للطلبة ذوي الاحتياجات المختلفة المشاركة الكاملة في الحياة المدرسية.

اكتشاف طرق جديدة للتعلم

لطالما أحبت شفنا التعلّم، إلا أن تهيئة الفرص التي تُمكّنها من ممارسة هذا الشغف تطلّبت في كثير من الأحيان حلولاً مبتكرة، ونظراً لاعتماد العديد من الأنشطة الصفية بشكل كبير على حاسة البصر، فقد ابتكر المعلمون طرقاً تضمن لشيفنا المشاركة في الدروس ذاتها واغتنام الفرص التعليمية نفسها المتاحة لزملائها.

بدأت شيفنا تعلم طريقة برايل في سن الرابعة، وهي تستعين اليوم بتقنيات مساعدة لدعم دراستها، ففي مادة الفيزياء، حيث تُشرح المفاهيم عادةً بأساليب بصرية، اعتمد المعلمون نهجاً عملياً يتيح لها استكشاف هذه المفاهيم عن طريق اللمس؛ إذ توضح شيفنا قائلة: "يشرحون لي كيفية مرور الأشعة الضوئية وما شابه ذلك باستخدام رسومات ملموسة، مما يمكنني من استيعابها".

كما شكلت اللغة تحدياً آخر؛ فقد نشأت شيفنا وهي تتحدث لغة "المالايالامية" في منزلها، ثم التحقت بمدرسة تعتمد اللغة الإنجليزية في التدريس، وذلك في وقت تزامن مع تعويض ما فاتها من تعلّم بسبب الاضطرابات التي أحدثتها جائحة كوفيد-19.

ترجم المعلمون الدروس، وسجّلوا مواد تعليمية، وقدموا لها دعماً فردياً لمساعدتها على تعويض الفاقد التعليمي، وسرعان ما اكتسبت الثقة في التواصل باللغة الإنجليزية، مع مواكبة متطلبات الدراسة ، وتتذكر الدكتورة باسكار: "كانت مستعدة لمواجهة جميع التحديات، وحتى عندما لم يكن والداها موجودين في المنزل، كانت تتمكن من الحضور إلى المدرسة". 

بناء الثقة بالنفس

عندما تُسأل عائلة شفنا عمّا ساعدها على التطور ، تأتي الإجابة فوراً: الثقة بالنفس، يقول والدها، صديق: "الإعاقة ليست عائقاً" ، وتضيف والدتها، نسيبة: "قد تعلّمت كل شيء بنفسها".

 arabic 2ويصفها معلموها أيضاً بأنها تتمتع باستقلالية لافتة، وتسلّط إحدى معلماتها، السيدة أخيلا سانثيش، الضوء على قدرتها الاستثنائية على التعلّم بالاستماع، فتقول: "إذا أعطيتها تسجيلاً صوتياً، فقد تحفظ محتواه عن ظهر قلب خلال عشر أو عشرين دقيقة"، ولا يقتصر هذا الاستقلال على الجانب الأكاديمي فحسب؛ فشيفنا تبادر بطرح الأسئلة، وتطلب التوضيحات، وتدافع عن حقها في التعلم.

كما لعبت الصداقة دوراً مهماً في حياتها؛ إذ تقول هانا شاجي: "إنها أعز صديقاتي منذ أربع سنوات؛ فنحن معاً في الدراسة والغناء وفي جميع الأنشطة"، ونادراً ما تفترق الصديقتان، سواء داخل المدرسة أو خارجها.

وبفضل تشجيع المحيطين بها، تعززت ثقة "شيفنا" بنفسها بينما كانت تستكشف اهتماماتها؛ فقد شاركت في إلقاء الشعر، ومسابقات سرد القصص، والبرامج الموسيقية، ومشاريع الروبوتات، ومجموعة واسعة من الأنشطة المدرسية. تقول شيفنا: "المشاركة في المسابقات مهمة؛ لأنها ساعدتني على اكتشاف اهتماماتي والتفاعل مع الآخرين، أريد الاستمتاع بكل الأنشطة التي توفرها المدرسة".

ومن بين اهتمامات شفنا المتعددة، يحتل الشعر مكانة خاصة في قلبها؛ إذ يجذبها إيقاعه وما يثيره من مشاعر وأحاسيس. وعلى مرّ السنوات، حصدت العديد من الجوائز والتكريمات في مجالي إلقاء الشعر والموسيقى، من بينها جائزتان في إلقاء الشعر من حكومة ولاية كيرالا الهندية. 

الصديقة التي وقفت إلى جانبها

برز أحد أكثر أشكال الدعم تأثيراً خلال امتحانات شفنا؛ إذ تولّت صديقتها وزميلتها أديتي سابين مهمة كاتبة لها، تدون إجاباتها أثناء إملائها.

في البداية، كانت أديتي تعيد الأسئلة مرات عدة، بينما تأخذ شفنا وقتها في ترتيب أفكارها قبل الإجابة، وتتذكر أديتي قائلة : "لاحقاً تطورت، وأصبحت أكثر ثقة بنفسها، وصارت تجيب بسرعة أكبر".

كانت مساعدة شيفنا تعني في كثير من الأحيان أيامًا طويلة لأديتي، فبعد انتهاء امتحاناتها، كانت تعود لتقضي ساعات إضافية في مساعدة شيفنا على إكمال امتحاناتها، ولا يزال المعلمون يتذكرون هذا التفاني، تقول السيدة آرثي كارتيكيان: "كانت أديتي تتناول غداءها سريعًا، ثم تعود، وتجلس طوال ساعات امتحانات شيفنا الأربع بصبر شديد، ثم تذهب لتستعد لامتحاناتها في اليوم التالي".

وهكذا، أصبح دعم شفنا جهداً جماعياً تكاتف فيه أفراد المجتمع المدرسي بأكمله. 

أكثر من مجرد جوائز

 arabic 3بفضل دعم مجتمعها المدرسي، حققت شفنا محطات مهمة بدت في وقت سابق بعيدة المنال، ومن أبرز إنجازاتها اجتيازها الصف العاشر بتفوق، ويحتفظ والدها بفخر بصور الجوائز والتكريمات التي نالتها على مر السنين.

لكن من يعرفون شفنا يرون أن شخصيتها أكثر تميزاً حتى من إنجازاتها، تقول السيدة أخيلا: " يراها الجميع فائزة، لكنها واجهت وراء ذلك تحديات كثيرة، ومن تلك التحديات استمدت الشجاعة وبنت ثقتها بنفسها".

ويضيف والدها: "إنها من أكثر الشخصيات تحفيزًا في عائلتنا"، وبصفتها الأخت الكبرى بين أربعة أشقاء، غالبًا ما تشجع شيفنا إخوتها الصغار على التركيز في دراستهم.

ولا يقتصر لطفها على عائلتها فقط، فبعد كل امتحان، كانت تحضر الشوكولاتة لأديتي والمعلمين الذين ساندوها، و تقول السيدة آرثي: "إنها لا تنسى أبدًا من ساعدها، ولا تنسَ أبدًا أن تشكر الناس".

  رؤية الأمور من منظور مختلف 

تدرس شفنا اليوم في الصف الحادي عشر، وتأمل أن تعمل مستقبلاً في القطاع الحكومي، أما موقف أسرتها من طموحها فبسيط، يقول والدها: "مهما كان المجال الذي تريد أن تعمل فيه، فذلك هو حلمنا أيضاً، وسندعمها".


لقد تشكلت مسيرة شيفنا بفضل سلسلة من الخيارات القيّمة التي اتخذها من حولها: مدرسة فتحت لها أبوابها حين أحجمت المدارس الأخرى عن ذلك؛ ومعلمون حوّلوا الدروس البصرية إلى تجارب تعليمية ملموسة، وزميلة أمضت ساعات في كتابة إجاباتها، وصديقة ظلت إلى جانبها، ووالدان لم يتوقفا عن الإيمان بقدراتها، وأسهم هؤلاء جميعاً في بناء ثقتها بنفسها ومهاراتها وتكوين شبكة دعم مكّنتها من التطور وتحقيق ما ظنه الآخرون مستحيلاً.

ومع ذلك، فإن أكثر ما يلفت الانتباه ليس الجوائز والأوسمة التي حصدتها، بل امتنانها العميق لقدراتها والفرص التي أتيحت لها لتطويرها.

ولعل هذا هو الدرس الأهم في قصتها: عندما تُتاح للطفل فرصة التعلّم، ويجد التشجيع على الثقة بنفسه، ومجتمعاً مستعداً للوقوف إلى جانبه، يبدأ الناس في رؤية الإمكانات حيث لم يرَ آخرون سوى القيود، وتصبح المدارس أماكن تتيح لكل طالب فرصة النجاح. 



محتوى ذو صلة