مقيمون وعابرون وعائدون: أملات من رأس الخيمة
في بدايات إقامتي الفنية، انصبّ تركيزي على السوق القديم. أنجزتُ سلسلة من الرسومات الصغيرة والسريعة، كانت بمثابة دراسات بصرية مباشرة تسجّل أجزاءً من المكان وتفاصيله اليومية. شملت هذه الرسومات عناصر معمارية وأدوات ولافتات وأشياء مألوفة غالبًا ما تمر دون انتباه؛ مثل الطوب المكدّس بتكوينات غير منتظمة، والكراسي الموضوعة في المساحات الانتقالية، وغيرها من التفاصيل التي تشكّل النسيج البصري للمكان. لم تكن هذه الرسومات أعمالًا مكتملة بحد ذاتها، بل وسيلة لفهم اللغة البصرية والمادية التي تميّز هذا الفضاء.

1. ملاحظة أولية – دراسة للطوب
رسم ميداني سريع يوثّق التراص غير المنتظم لطوب البناء في السوق القديم، بوصفه دراسة للشكل والوزن والإيقاع المتكرر في البنى اليومية.

2. دراسة لعنصر موجود – لافتة وقاعدتها
رسم ملاحظاتي للافتة شارع مثبتة في قاعدة متآكلة بفعل الزمن، يعكس الطبقات البصرية المتراكمة في السوق وتفاصيله التي غالبًا ما تُهمَل.
مع مرور الوقت، توسّع هذا النهج ليتجاوز الأشياء ويشمل الأشخاص أيضًا.
ومن خلال الزيارات المتكررة، بدأتُ أتفاعل بشكل مباشر مع العاملين في السوق والمناطق المحيطة به. رسمتُ وجوهًا وبورتريهات سريعة وعفوية، غالبًا أثناء الأحاديث التي كانت تدور بيننا. كانت هذه اللقاءات غير رسمية، تقوم على فضول متبادل ورغبة طبيعية في التواصل. وكثيرًا ما ارتبطت بإيماءة متكررة أصبحت مألوفة بالنسبة لي: دعوة للجلوس واحتساء الشاي.

3. بورتريه من اللقاء الأول
بورتريه عفوي رُسم أثناء حديثٍ مباشر، تعكس خطوطه السريعة طبيعة التفاعل الاجتماعي غير الرسمي.

4. بورتريه من اللقاء الثاني
رسم آخر سريع يعتمد على الحدس أكثر من الدقة، حيث يصبح الرسم سجلًا للحضور الإنساني أكثر من كونه تمثيلًا مطابقًا للملامح.

5. بورتريه من اللقاء الثالث
امتداد لسلسلة البورتريهات التي تشكّلت عبر الزيارات المتكررة وتنامي الألفة مع الأشخاص في المكان.
تفضل شاي
أصبحت هذه العبارة عنصرًا ثابتًا خلال فترة الإقامة الفنية. كانت تُقال في أماكن مختلفة، ومن أشخاص مختلفين، ودائمًا دون أي مقابل أو توقع. ما بدا في البداية مجرد لفتة مجاملة بسيطة، كشف مع الوقت عن معنى أعمق. فقد تحوّل إلى وسيلة للتواصل، وإلى لحظة توقف تتيح مساحة للحوار والحضور والتبادل الإنساني. ومع مرور الأيام، أصبحت هذه الممارسة اليومية للضيافة محورًا أساسيًا في المشروع، وأسهمت في تشكيل اتجاهه ومعناه.
وعلى الرغم من التوترات الأوسع التي شهدتها المنطقة، فإن ما لفت انتباهي في رأس الخيمة كان استمرارية الحياة اليومية فيها. ظلّ الناس مرتبطين بأعمالهم، وببعضهم البعض، وبالأماكن التي يعبرونها كل يوم. وقد أثّر هذا الإحساس بالاستمرارية والمرونة في موقفي كفنان، وشجّعني على تجاوز بعض الترددات والعودة إلى جوانب من ممارستي الفنية كنت قد أحجمت عنها سابقًا.
ويتجلى هذا التحول بوضوح في الأعمال النهائية.

6. مسار العمل – دراسة في الحبر والإيماءة
استكشاف للتحرر والاختزال؛ حيث تبدأ ملامح البورتريه بالذوبان في الإيماءة والخط، ممهدةً الطريق للتجريد الذي يظهر في الأعمال اللاحقة.
مع ابتعادي تدريجيًا عن الدراسات الصغيرة، بدأت العمل على مساحات أكبر أتاحت للأفكار والتكوينات أن تتطور بحرية أكبر وبشكل أكثر حدسية. وباستخدام أقلام الزيت، تبنّيت نهجًا أكثر مباشرة وحضورًا جسديًا، يرتكز على الإيماءة والتراكم والعفوية في بناء الصورة. وأصبحت الأعمال أكثر كثافة وتعقيدًا، حيث تتداخل فيها شظايا الوجوه والرموز والأشكال التجريدية ضمن فضاء بصري واحد تتعايش عناصره وتتفاعل مع بعضها البعض.
لم تعد هذه اللوحات تتمحور حول أشخاص بعينهم، بل تشكّلت بوصفها حصيلةً لتراكم اللقاءات والمشاهدات والتجارب المتعددة. فهي تعكس حضورًا جمعيًا تبلور عبر التفاعل المستمر مع المكان وسكّانه. كما أن تكرار الملامح الوجهية، وتكثيف الفضاء البصري، وقوة الألوان، جميعها نابعة من تجربة الانغماس في بيئة تتسم بالحركة الدائمة والتواصل المستمر. ومن هذا المنطلق، لا تسعى الأعمال إلى توثيق أفراد أو لحظات محددة، بقدر ما تحاول التقاط الإحساس بالوجود داخل فضاء تتقاطع فيه الحكايات والوجوه والتجارب، وتتداخل فيه حالات البقاء والعبور والعودة.

7. أرشيف البورتريه الجماعي
مجموعة من دراسات البورتريه الصغيرة المعروضة معًا؛ تبدو حميمة على المستوى الفردي، لكنها تشكّل عند اجتماعها مشهدًا اجتماعيًا أوسع.
ومن هذا المنطلق، لا تسعى هذه الأعمال إلى تمثيل أشخاص أو لحظات بعينها، بقدر ما تحاول التقاط إحساسٍ بالوجود؛ ذلك الشعور الذي يتشكّل داخل فضاء تتقاطع فيه مسارات الناس بين الإقامة والعبور والعودة. فضاءٌ تتراكم فيه اللقاءات والذكريات والحركات اليومية، وتتعايش فيه حالات الحضور والغياب في آنٍ واحد. وتحمل اللوحات هذه الطبقات المتداخلة دون أن تفرض عليها تسلسلًا أو تفسيرًا نهائيًا، تاركةً المجال مفتوحًا لتعدد القراءات والتأويلات.
وفي نهاية المطاف، أصبحت الإقامة الفنية بالنسبة لي أقل ارتباطًا بإنتاج أعمال مكتملة، وأكثر ارتباطًا بإتاحة مساحة للملاحظة والتأمل والتحوّل. فقد منحتني رأس الخيمة إحساسًا بالسكينة والانفتاح، أتاح لي التخلي عن بعض التصورات المسبقة والتوقعات التي كنت أحملها، والعودة إلى ممارسة فنية أكثر تلقائية وحدسية. ومن هذا المنظور، لا تتمحور الأعمال حول المكان بوصفه موضوعًا للرسم، بل حول ما أتاحه هذا المكان من إمكانات للانكشاف والتجريب والنمو؛ وحول الكيفية التي يمكن أن يغيّر بها المكان نظرتنا إلى العمل الفني وإلى أنفسنا في الوقت ذاته.

8 .تركيب فني في السوق – رسومات الأشياء ضمن الفضاء المعماري
إعادة تقديم الرسومات ضمن بيئة معمارية، بما يعيد ربط الدراسات بالمكان الذي استُلهمت منه.

9. اللغة والتكرار – «تفضل شاي»
تكرار بصري لعبارة «تفضل شاي»، في إشارة إلى فعل الضيافة المتكرر الذي شكّل البعد الإنساني والاجتماعي للمشروع.
